شيواحد

سوري

رؤية

في يناير 2, 2013

الولـــــــد حرق البلـــــد…

في اﻷسابيع التي تلت تدخل الجيش السوري في درعا، في ربيع عام 2011، سارع العماد “حكمت الشهابي” ٳلى ترك تقاعده المريح في “كاليفورنيا” والعودة ٳلى دمشق. الرجل عسكري محترف وكان معروفاً بولائه اﻷعمى “للمعلم” حافظ اﻷسد وهوالذي رافق رحلة صعود “اﻷب القائد” ٳلى السلطة منذ بداياتها. حافظ اﻷسد كانت له ثقة مطلقة بالرجل الذي كان رئيساً للمخابرات العسكرية بين 1971 و 1974، بدلالة ذهاب اللواء الشهابي ٳلى واشنطن من أجل التحضير لاتفاق فض الاشتباك مع ٳسرائيل في بداية 1974، قبل “ترقيته” ٳلى منصب رئيس أركان، بعدما اكتشف اﻹسرائيليون أن “الشهابي” كان وراء ٳنشاء شبكة التجسس السورية اليتيمة التي عملت في ٳسرائيل لصالح النظام السوري قبل حرب تشرين.

كرئيس لهيئة اﻷركان، لم يعد العماد “الشهابي” يزعج الدولة العبرية التي صارت “صديقة” ومارس مهاراته كلها في التحضير للحرب اللبنانية ثم في ٳدارة تواجد جيش اﻷسد في بلاد اﻷرز حتى تقاعده اﻹجباري عام 1998 تمهيداً لتوريث اﻷسد الصغير. بعدها خرج “العماد الشهابي” فاراً عبر مطار بيروت الدولي باتجاه “لوس انجلس” بقرب أصدقائه اﻷمريكيين وبجوار ابنه، “حازم” القنصل السوري الفخري في كاليفورنيا.

بعدما استتب اﻷمر للأسد الوريث، عاد “العماد الشهابي” ٳلى دمشق حيث استقبله اﻷسد الصغير “وأعاد له الاعتبار” قبل أن يستقر المقام بالعماد بين مزرعته الفخمة في “الباب” شمال حلب و”لوس انجلس”.

ٳقامة العماد “حكمت” في أمريكا وقت اندلاع الثورة كانت ﻷسباب عائلية أساساً وليس ﻷنه “مغضوب عليه” فالرجل قام بجهود مشكورة لمنع أصدقائه اﻷمريكيين من غزو سورية بعد اجتياحهم للعراق وحافظ على أطيب العلاقات مع اﻹدارات اﻷمريكية المتعاقبة وظل يعمل كخط اتصال بين العصابة اﻷسدية والعم سام في أحلك اﻷوقات.

حين طلب “العماد الشهابي” مقابلة الرئيس “بشار اﻷسد” فور وصوله لدمشق في ربيع 2011 كان يريد ٳرساء جسور من الثقة بين هذا اﻷخير واﻷمريكيين وٳعطاء نصائح ثمينة للرئيس الوريث، هو صاحب الخبرة والباع الطويل في ٳدارة اﻷزمات في لبنان وفي كافة المواقع التي “أبلى” فيها جيش اﻷسد خير بلاء، من “تل الزعتر” ٳلى “حفر الباطن” مروراً بحماة وأخواتها.

انتظر العماد طويلاً لكن اﻷسد الوريث لم يتنازل ويقابله… “العماد الشهابي”، الرجل الذي رأى بشار اﻷسد طفلاً يحبو والذي طالما ناداه اﻷخير”عمو أبو حازم” حين كان اﻷسد الصغير يلهو مع أولاد العماد “بالحفاضات” لم يحظ حتى بمكالمة هاتفية من قبل “ابنه” بشار.

عاد الرجل يجر أذيال الخيبة والمرارة، مردداً لكل زواره خلاصة مقابلاته ومشاهداته في “سوريا اﻷسد” : “اﻷولاد (يعني بشار وماهر) ذاهبون في المعركة ٳلى النهاية، لن يصلحوا ولن يسلّموا السلطة ولن يتركوا الشام ٳلا وهي أنقاض”. كرر الرجل ما سمعه على لسان أصدقائه الباقين في دمشق وما ذكرته العديد من المصادر على لسان “اﻷولاد” : “الوالد (يعني حافظ) استلم سوريا وفيها بين ستة ٳلى سبعة ملايين، وسنعيدها كما استلمها الوالد…”.

منذ صيف 2011 كانت نبوءة رئيس أركان جيش اﻷسد الأسبق :”اﻷولاد ذاهبون ٳلى التقسيم، ولكن ليس قبل أن يحرقوا البلد بما ومن عليها…”.

لن يكون هناك ٳذا من ٳصلاح ولا من يصلحون، ما من حل سياسي ولا مفاوضات مجدية “مع اﻷولاد”. بالفعل، من ينظر ٳلى سوريا اليوم يتولد لديه الانطباع بأن “الولد” قد قرر “كسر اللعبة” التي لم تعد على مزاجه، تماماً كالطفل الذي يكسر دمية لم تعد تسليه أو حين يمل منها.

لكن، هل هذا الانطباع صحيح ؟ هل “الولد” الذي يحكم سوريا هو نفسه من يحرقها بقرار شخصي منه ؟ أم أن “الولد” يمارس لعبة مرسومة منذ زمن ؟ هل ما يظهر للعيان على أنه تخبص وهمجية منفلتة من كل عقال لا يعدو كونه “ولدنة حرام” أم أن وراء اﻷكمة ما وراءها ؟

اﻷكيد هو أن “للولد” بشار لمسته الخاصة ومسؤوليته اﻷكبر عن مأساة الشعب السوري، لكن النظر بتمعن لملابسات نشوء وتطور العصابة اﻷسدية منذ الستينات يوحي بأن “حرق البلد” ليس مجرد عمل انتقامي تقوم به عصابة تخسر مواقعها يوماً بعد يوم وتريد أن يدفع السوريون ثمن الحرية من دمائهم وأموالهم وكراماتهم دفعة واحدة، بعدما كانوا يدفعونها “بالتقسيط” قبل الثورة.

في مقابلة مع ٳحدى الصحفيات، سألت هذه اﻷخيرة “اﻷسد” اﻷب في معرض الحديث حول “اضطرابات” حماة عام 1982 ٳن كان يخشى من أن يكون يوماً ضحية لانقلاب عسكري ؟ كان رد هذا اﻷخير “لن يكون هناك انقلاب…”. أصرت الصحفية على سؤالها وطلبت من اﻷسد اﻷب “ٳلى أي بلد سيتوجه ٳن اضطر لمغادرة سوريا ؟”. أجاب اﻷخير ببروده المعهود : “لن يكون هناك من سوريا بعد ذلك…”. هذا يعني أن اﻷسد اﻷب قد اتخذ احتياطاته وأن هناك مبدأ في السياسة اﻷسدية هو مبدأ : “ما بعد حماة”.

في بداية الثورة السورية وقبل نشوء الجيش السوري الحر وبخاصة قبل مرحلة المجازر المتدحرجة في الحولة وكرم الزيتون ثم داريا وغيرها، كان النظام يطبق ما عرف “بمبادئ حماة” في مدن حمص ودرعا والزبداني وغيرها. بمعنى حصر الاحتجاجات في مكان محدد وتجميع المحتجين أو الثوار فيه، ثم تدميره على رؤوس ساكنيه.

بعد زيارة بشار اﻷسد لبابا عمرو وبعدما شاهد بأم عينه فشل “مبادئ حماة” في ٳخضاع الشعب الثائر رغم محو الحي بالكامل وتدميره على رؤوس ساكنيه، أصبح جلياً له ولباقي بارونات العصابة أن هذه المبادئ لم تعد كافية لضمان انتصار النظام على الشعب وصار لازماً الانتقال ٳلى الخطة “باء” وهي “حرق البلد” ولكن ليس أي بلد.

في آب 1944 وحين كانت جيوش الحلفاء تتقدم لتحرير باريس من النازي، أصدر “هتلر” أوامره للجنرال “فون شتولتيتز” بتدمير عاصمة النور بمتاحفها ورموزها على رؤوس ساكنيها من أجل ٳعاقة تقدم الحلفاء ومن أجل عرقلة جهود الفرنسيين ﻹعادة بناء بلدهم المدمر في المستقبل. ماذا فعل الجنرال المحنك والعسكري اﻷلماني المنضبط ؟ لم يكتف الجنرال “فون شتولتيتز” بعصيان أوامر “الفوهرر” بل رفض أيضاً مساهمة الطيران اﻷلماني في الدفاع عن باريس لكي لا تتدمر معالم المدينة واستسلم بسرعة للماريشال “لوكلير” رافضاً الاستمرار في حرب تدميرية مجنونة. الجنرال اﻷلماني “سبيدل” رفض من جهته قصف باريس بالصواريخ (ف2) بعدما تبين لهتلر أن الجنرال “فون شتولتيتز” قد عصى أوامره بما يخص تدمير باريس.

هل تمكن المقارنة بين هذين الرجلين وبين “جنرالات” بشار اﻷسد ؟ الجنرالان اﻷلمانيان رفضا التدمير والقتل المجاني مما سمح للشعبين الفرنسي واﻷلماني بتجاوز خلافاتهما وبالتصالح وصولاً ٳلى بناء أوربا التي نعرفها. لم يتعامل هؤلاء مع “باريس” كعاصمة للعدو واحترما البشر وتراث المدينة وتاريخها، في حين أحرق زبانية اﻷسد سوق حلب التاريخي وهو ما لم يفعله حتى المغول وهاهم الآن يحضرون لتدمير “دمشق” على رؤوس أهلها.

في اعتقادنا أن “الولد” يطبق سياسة “الوالد” الموضوعة سلفاً وبشكل حرفي، الفرق هو أن المبادئ التي يضعها النظام موضع التطبيق حالياً هي مبادئ “ما بعد حماة”. ٳنها “الخطة باء” التي حضرها اﻷسد اﻷب لتنفيذها في حال فشل في قمع انتفاضة مدينة أو جزء من سوريا. ملخص هذه الخطة هو تشجيع تقسيم سوريا وٳحراق كل جزء يخرج ولو جزئياً عن سلطة النظام داخل سوريا المختلطة دينياً وطائفياً، انتهاء بتدمير “البلد السني” في سوريا بشكل كامل بحيث لاتقوم لهذا الجزء من سوريا قائمة لسنوات طوال.

من يظن أن نظام اﻷسد ليس له أهداف طائفية مخطئ، فهذا النظام يهدف لخلق وضع وبنية طائفية يستحيل فيها التصالح بين مكونات الشعب السوري بحيث يكون الخيار الوحيد المتبقي للمحافظة على وحدة اﻷراضي السورية هو استمرار عصابة اﻷسد في الحكم، والنهب، ٳلى يوم الدين.

التدمير “الانتقائي” والممنهج للمدن والبلدات الثائرة ذات اﻷغلبية السنية يهدف ٳلى توسيع بحر الدم المفترض به أن يفرّق بين مكونات الشعب السوري، انتهاء بتحصين “البلد” العلوي وتزنيره بالسلاح المتفوق والكيماوي لكي يواجه باقي الكيان السوري المنتفض. بكلمة أخرى، سيكون الجيب العلوي ملجأ كل الفارين من زبانية اﻷسد وأذنابهم، سيكون هذا الكيان المسخ “قلعة” اﻷسد اﻷخيرة بعد تدمير كل مافي سوريا من مدن ودساكر.

العلويون سيرثون مع هذا الكيان “الولد” والباقين من عائلة “الوالد” وسيرتعون، لوحدهم، في “جنة” اﻷسد بشبيحتها ولصوصها وفسادها وٳلى ماهنالك من متع وملذات سيحرم منها باقي السوريين.

المشكلة أن “الولد” الذي ينفذ مبادئ ما بعد حماة ليس “الوالد” واضع هذه المبادئ ومعروف أن “الولد ولد ولو حرق، أو عمّر، بلد…”.

أحمد الشامي فرنسا

من صفحة تنسيقية الجلجلة، الفيسبوك

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: